وهبة الزحيلي
185
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
في زمانه ، وهم المشركون الذين أنكروا قدرة اللّه على الحوادث ، فلا يدخل فيهم المعتزلة ، ونسبتهم إلى هذه الأمة كنسبة المجوس إلى الأمة المتقدمة « 1 » . يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ، ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ أي إن المجرمين الكفار يعذبون في النار ، ويجرّون فيها على وجوههم للإهانة والإذلال ، ويقال لهم تقريعا وتوبيخا : ذوقوا وقاسوا حرّ النار وآلامها وشدة عذابها . ثم أبان اللّه تعالى أن كل ما يحدث في الكون ، ومنه أفعال العباد كلهم ، هو مخلوق للّه ، فقال : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ أي إن كل شيء من الأشياء ، وكل فعل من الأفعال في هذا الكون أو هذه الحياة خيرا كان أو شرا ، مخلوق للّه تعالى ، مقدر محكم مرتّب على حسب ما اقتضته الحكمة ، وعلى وفق ما هو مقدر مكتوب في اللوح ، معلوم للّه ثابت في سابق علم اللّه الأزلي ، قبل وجوده أو كونه ، يعلم حاله وزمانه . والقدر : التقدير . ونظير الآية قوله تعالى : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ، فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [ الفرقان 25 / 2 ] وقوله سبحانه : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى [ الأعلى 87 / 1 - 3 ] أي قدر قدرا ، وهدى الخلائق إليه . وقد استدل أهل السنة بهذه الآية الكريمة على إثبات قدر اللّه السابق لخلقه : وهو علمه الأشياء قبل كونها ، وكتابته ( أي تسجيله ) لها قبل حدوثها . أخرج الإمام أحمد ومسلم عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « كل شيء بقدر ، حتى العجز والكسل » . و في الحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد ومسلم أيضا عن أبي هريرة : « استعن باللّه ، ولا تعجز ، فإن أصابك أمر فقل :
--> ( 1 ) تفسير الرازي : 29 / 69 - 70